سيد محمد طنطاوي

566

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

فعله من أجل الغلامين اليتيمين إلى اللَّه فقال : * ( فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما ويَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ) * : وشبيه بهذا ما حكاه اللَّه - تعالى - عن صالحي الجن في قولهم : وأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ ، أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً . 11 - قال القرطبي : قوله - تعالى - يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ أي : قرب أن يسقط . وهذا مجاز وتوسع . وقد فسره في الحديث بقوله « مائل » فكان فيه دليل على وجود المجاز في القرآن ، وهو مذهب الجمهور . وجميع الأفعال التي حقها أن تكون للحي الناطق إذا أسندت إلى جماد أو بهيمة ، فإنما هي استعارة . أي : لو كان مكانها إنسان لكان ممتثلا لذلك الفعل ، وهذا في كلام العرب وأشعارهم كثير ، كقول الأعشى : أتنهون ولا ينهى ذوى شطط كالطَّعن يذهب فيه الزيت والفتل والشطط : الجور والظلم ، يقول : لا ينهى الظالم عن ظلمه إلا الطعن العميق الذي يغيب فيه الفتل - فأضاف النهى إلى الطعن . وذهب قوم إلى منع المجاز في القرآن فإن كلام اللَّه عز وجل - وكلام رسوله صلى اللَّه عليه وسلم حمله على الحقيقة أولى بذي الفضل والدين ، لأنه يقص الحق كما أخبر اللَّه - تعالى - في كتابه . . « 1 » . وقد صرح صاحب أضواء البيان أنه لا مجاز في القرآن فقال ما ملخصه : قوله - تعالى - : فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَه . هذه الآية من أكبر الأدلة التي يستدل بها القائلون : بأن المجاز في القرآن ، زاعمين أن إرادة الجدار الانقضاض لا يمكن أن تكون حقيقة وإنما هي مجاز . وقد دلت آيات من كتاب اللَّه على أنه لا مانع من أن تكون إرادة الجدار حقيقة ، لأن اللَّه - تعالى - يعلم للجمادات إرادات وأفعالا وأقوالا لا يدركها الخلق ، كما صرح - تعالى - بأنه يعلم من ذلك مالا يعلمه خلقه في قوله - سبحانه - وإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه ولكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ . . .

--> ( 1 ) راجع تفسير القرطبي ج 11 ص 25 .